ناقشت ندوة علمية عقدت بقاعة تابعة لأحد الفنادق المصنفة بالناظور، الثلاثاء، على هامش الدورة العاشرة لمهرجان السينما والذاكرة المشتركة، المنظم من طرف مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم، موضوع “العالم ما بعد “كوفيد-19: نحو روح جديدة للبحر الأبيض المتوسط”.

وتمحورت الندوة التي شاركت فيها فعاليات سياسية وأكاديمية وباحثون وفنانون، أساسا، حول أزمة كوفيد-19 الاقتصادية والاجتماعية وآثارها على التعليم والصحة والشغل والسلم والهجرة، كما تناولت سبل تجاوز تأثير الوباء على المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط.

وقال عبد السلام الصديقي، مسير الندوة رئيس المهرجان الدولي لسينما الذاكرة المشتركة، إن “الوباء حمل بين طياته آثارا سلبية كبيرة على الحياة الإنسانية بشكل عام جعلت العالم يعاني من أزمة حقيقية، لكنه من جهة أخرى كان فرصة لإعادة التفكير بعدما كنا نعتقد أن العالم متكامل على كافة المستويات، قبل أن نكتشف أن الأمر ليس كذلك”.

وأبرز المتحدث أن الندوة تشكل فرصة لتبادل الأفكار واستكشاف السبل الناجعة من أجل خلق الازدهار في مرحلة ما بعد الجائحة التي جعلت العالم كله يركز التفكير حول المستقبل، مشيرا إلى أن المواضيع الرئيسية تتمحور الآن حول سؤال: “هل سيكون هناك عالم أفضل ما بعد الجائحة أم ستبقى الأمور على حالها؟”.

وفي مداخلتها، قالت نجاة بلقاسم، الوزيرة الفرنسية السابقة للتعليم، وهي من أصول مغربية، إن “الجائحة كشفت في البداية عن طابع التنافس الشديد الذي جرى بين الدول في غياب أي اتفاق أو تعاون، وذلك ما لمسناه في صراع الحصول على الكمامات من طرف العديد من الدول؛ إذ وصل الأمر إلى حد سرقتها”.

وأضافت أن “دولا عديدة فضلت تدبير الأزمة على المستوى المحلي، فترامب سد الباب أمام منظمة الصحة العالمية التي كان من المفترض أن تعمل على حماية صحتنا، والصين رفضت أن تكشفت عن أية معطيات توضح حقيقة فيروس كوفيد-19 الذي انتشر منها في العالم”.

لكن بعد مرور بضعة أشهر على الأزمة العالمية، تردف بلقاسم، “لامسنا نوعا من التعاون الذي تجلى على سبيل المثال في تخفيف مديونية بعض الدول الفقيرة، وترقية منظمات الصحة ودعمها، وتخفيف الرسوم الجمركية لتسويق الأدوية. إلا أنه رغم ذلك طُرح مشكل الحصول على التلقيح الذي ظل حكرا على الدول الغنية، وهذا ما بين حقيقة التفاوت بين دول العالم على مستوى التغطية الصحية”.

وكشفت بلقاسم أن الأرقام الرسمية المعلن عنها بخصوص وفيات “كورونا” على مستوى العالم لم تكن صحيحة؛ إذ وصل الرقم الحقيقي إلى نحو 19 مليون وفاة، بدل 5 ملايين، مبرزة أن “القارة الإفريقية تظل أكبر خاسر بسبب حرمان العديد من دولها من خدمات الصحة”.

وتطرقت بلقاسم لموضوع المرأة، قائلة: “المرأة قامت بدور كبير في مواجهة الوباء وكانت ضمن الصفوف الأمامية، خاصة في قطاع الصحة، وهي التي تأثرت بالجائحة من حيث فقدان العديد من النساء مناصب شغلهن، ناهيك عن تعرضهن للعنف الأسري الذي تفاقم واستفحل خلال مرحلة الحجر الصحي، وفي دول جنوب إفريقيا لم تعد كثير من المتعلمات إلى المدرسة، وكثير منهن تزوجن وعانين على كافة المستويات”.

وتناول عبد الله بوصوف، الأمين العام لمجلس الجالية المغربية المقيمة بالخارج، موضوع الهجرة خلال مرحلة الجائحة، قائلا: “الهجرة ظاهرة إنسانية لا أحد يستطيع إيقافها بأية وسيلة، وهي حرية الإنسان ضمن مكونات حقوقه العامة، وقد بين المهاجرون خلال مرحلة الوباء عن تضامن فعال على مستوى التحويلات المالية إلى البلدان الأصل وروح التعاون والتآزر، وكان لكل ذلك قيمة مضافة وانخراط إيجابي في مواجهة الجائحة”.

وكشف المتحدث أن “الهجرة كذبت كل التكهنات التي أبان عنها الخبراء؛ إذ عمل المهاجرون على جبهتين: جبهة بلدان الإقامة وجبهة البلدان الأصلية، مما يدل على أن موضوع الهجرة دائما في الصفوف الأمامية لمواجهة كل التحديات، كما أنها من العوامل الرئيسية التي أرست السلم العالمي، فالسلم يسود بسيادة الحوارات بين الشعوب والدول، وهذه الحوارات ساهمت فيها الهجرة بشكل كبير”.

لولا الهجرة، يردف الأمين العام لمجلس الجالية المغربية، “ما عرفنا شيئا عن الثقافات والأديان المختلفة، لذلك فهي دائما تساهم في حل المعضلات المجتمعية الكبرى”.

وأوضح بوصوف أن المهاجرين ساهموا في مواجهة الجائحة، والمغربي منصف السلاوي الذي عينه الرئيس الأمريكي ترامب على رأس مبادرة الرئاسة الأميركية لأجل تطوير لقاح ناجع ضد فيروس كورونا المستجد، خير مثال على ذلك، وكذلك أعضاء فرقة ديديه راوول التي زارها الرئيس الفرنسي ماكرون وكشف أن أغلب أعضائها من المهاجرين الأفارقة، ما أبان عن حس كبير للمسؤولية العامة لإنقاذ الإنسانية.

وفي السياق ذاته، وتعليقا على ما عاناه العالم من تعليق التنقل بين البلدان لمواجهة انتشار الجائحة، قال بوصوف: “إن الهجرة أدت فاتورة كبيرة بعد إغلاق المعابر الحدودية، لأن الهجرة لا يمكن فصلها عن التنقل، ويمكن القول إنها أبانت كثيرا عن تحمل قسط وافر من العبء والمعاناة نتيجة ذلك”.

وختم بوصوف مداخلته بالقول: “لا بد من استقاء الدروس مما وقع سابقا بالمحافظة على الإنسانية وعلى الآخر أينما وجد، لذلك قدم المهاجرون في الحرب ضد النازية والفاشية بأوروبا تضحيات جسيمة، وما زالت عدد من المقابر بأوروبا يرقد فيها شهداء مهاجرون في هذه الحرب من أجل الإنسانية”.

The post بلقاسم وبوصوف يناقشان في الناظور مسارات العالم بعد "جائحة كورونا" appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.